Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 6, Ayat: 42-45)
Tafsir: al-Baḥr al-madīd fī tafsīr al-Qurʾān al-maǧīd
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
يقول الحقّ جلّ جلاله : تخويفًا لهذه الأمة : { ولقد أرسلنا إلى أمم } مضت { من قبلك } رسلاً فأنذروهم ، فكذبوا وكفروا { فأخذناهم بالبأساء } أي : الشدة ، كالقحط والجوع ، { والضراء } كالأمراض والموت والفتن ، تخويفًا لهم { لعلهم يتضرعون } أي : يتذللون ويتوبون من ذنوبهم ، فلم يفعلوا ، { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } أي : هلاَّ تذللوا حين جاءهم البأس فنرحمهم ، وفيه دليل على نفع التضرع حين الشدائد ، { ولكن قست قلوبهم } أي : صلُبت ولم تلن ، { وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } فصرَفهم عن التضرع ، أي : لا مانع لهم من التضرع إلا قساوة قلوبهم ، وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم . { فلما نسوا ما ذكروا به } أي : تركوا الاتعاظ بما ذُكروا به من البأساء والضراء ، ولم ينزجروا ، { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } من أنواع الرزق وضروب النعم ، مراوحة عليهم بين نوبَتي الضراء والسراء ، وامتحانًا لهم بالشدة والرخاء ، إلزامًا للحجة وازاحة للعلة ، أو مكرًا بهم ، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : " مُكر بالقوم ورب الكعبة " { حتى إذا فرحوا } أي : أعجبوا { بما أوتوا } من النعم ، ولم يزيدوا على البطر والاشتغال بالنعم عن المنعم والقيام بحقه ، { أخذناهم بغتة } أي : فجأة { فإذا هم مبسلون } مُتحيرون آيسون من كل خير ، { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } أي : قطع آخرهم ، ولم يبق منهم أحد ، وهي عبارة عن الاستئصال بالكلية ، { والحمد لله رب العالمين } على إهلاكهم ، فإن إهلاك الكفار والعصاة نعِمٌ جليلة ، يحق أن يحمد عليها من حيث إنه خلاص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم . وبالله التوفيق . الإشارة : المقصود من إظهار النقم الظاهرة ما يؤول الأمر إليه من النعم الباطنة ، فإن الأشياء كامنة في أضدادها ، النعمة في النقمة ، والرخاء في الشدة ، والعز في الذل ، والجمال في الجلال ، إن وقع الرجوع إلى الله والانكسار والتذلل . " أنا عندَ المنكسرةِ قلوبُهم مِن أجلي " . فانكسار القلوب إلى علام الغيوب عبادة كبيرة ، تُوجب نعمًا غزيرة ، فإذا قسَت القلوب ولم يقع لها عند الشدة انكسار ولا رجوع ، كان النازل بلاءً ونقمة وطردًا وبُعدًا . فإنَّ ما ينزل بالإنسان من التعرفات منها : ما يكون أدبًا وكفارة ، ومنها : زيادة وترقية ، ومنها : ما يكون عقوبة وطردًا ، فإن صحبها التيقظ والتوبة ، كان أدبًا مما تقدم من سوء الأدب ، وإن صحبه الرضى والتسليم ، ولم يقع ما يوجب الأدب ، كان ترقية وزيادة ، وإن غضب وسخِط كان طردًا وبُعدًا . أعاذنا الله من موارد النقم . ثم احتج عليهم بوجه آخر ، فقال : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ } .