Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 38, Ayat: 6-11)
Tafsir: al-Ǧāmiʿ li-aḥkām al-Qurʾān
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قوله تعالى : { وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ } « الملأ » الأشراف ، والانطلاق الذهاب بسرعة أي ٱنطلق هؤلاء الكافرون من عند الرسول عليه السلام يقول بعضهم لبعض : « أَن ٱمْشُوا » أي ٱمضوا على ما كنتم عليه ولا تدخلوا في دينه { وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ } . وقيل هو إشارة إلى مشيهم إلى أبي طالب في مرضه كما سبق . وفي رواية محمد بن إسحاق أنهم أبو جهل بن هشام ، وشيبة وعُتبة أبناء ربيعة بن عبد شمس ، وأميّة بن خلف ، والعاص بن وائل ، وأبو مُعيط جاءوا إلى أبي طالب فقالوا : أنت سيدنا وأنصفنا في أنفسنا ، فٱكفنا أمر ٱبن أخيك وسفهاء معه ، فقد تركوا آلهتنا وطعنوا في ديننا " فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : إن قومك يدعونك إلى السواء والنَّصَفَة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إنما أدعوهم إلى كلمة واحدة » فقال أبو جهل وعشرا . قال : « تقولون لا إله إلا اللّه » فقاموا وقالوا : « أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلٰهاً وَاحِداً » " الآيات . { أَنِ ٱمْشُواْ } في موضع نصب والمعنى بأن ٱمشوا . وقيل : « أن » بمعنى أي أي « وَٱنْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ » أي ٱمشوا وهذا تفسير ٱنطلاقهم لا أنهم تكلموا بهذا اللفظ . وقيل : المعنى ٱنطلق الأشراف منهم فقالوا للعوام : « ٱمْشُوا وَٱصْبِرُوا عَلَى آلِهَتكُمْ » أي على عبادة آلهتكم « إِنَّ هَذَا » أي هذا الذي جاء به محمد عليه السلام { لَشَيْءٌ يُرَادُ } أي يراد بأهل الأرض من زوال نعم قوم وغير تنزل بهم . وقيل : { إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ } كلمة تحذير أي إنما يريد محمد بما يقول الانقياد له ليعلو علينا ، ونكون له أتباعاً فيتحكم فينا بما يريد ، فاحذروا أن تطيعوه . وقال مقاتل : إن عمر لما أسلم وقوي به الإسلام شقّ ذلك على قريش فقالوا : إن إسلام عمر في قوّة الإسلام لشيء يراد . قوله تعالى : { مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ } قال ابن عباس والقرظيّ وقتادة ومقاتل والكلبيّ والسديّ : يعنون ملّة عيسى النصرانية وهي آخر الملل . والنصارى يجعلون مع اللّه إلٰهاً . وقال مجاهد وقتادة أيضاً : يعنون ملة قريش . وقال الحسن : ما سمعنا أن هذا يكون في آخر الزمان . وقيل : أي ما سمعنا من أهل الكتاب أن محمداً رسول حقّ . { إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ } أي كذب وتخرّص عن ابن عباس وغيره . يقال : خلق وٱختلق أي ٱبتدع . وخلق اللّه عز وجل الخلق من هذا أي ٱبتدعهم على غير مثال . قوله تعالى : { أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا } هو استفهام إنكار ، والذكر هاهنا القرآن . أنكروا اختصاصه بالوحي من بينهم فقال اللّه تعالى : { بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي } أي من وحي القرآن . أي قد علموا أنك لم تزل صدوقاً فيما بينهم ، وإنما شكُّوا فيما أنزلته عليك هل هو من عندي أم لا . { بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ } أي إنما ٱغتَرُّوا بطول الإمهال ، ولو ذاقوا عذابي على الشرك لزال عنهم الشك ، ولما قالوا ذلك ولكن لا ينفع الإيمان حينئذ . و « لَمَّا » بمعنى لم وما زائدة كقوله : { عَمَّا قَلِيلٍ } [ المؤمنون : 40 ] و { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ } [ النساء : 155 ] . قوله تعالى : { أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ } قيل : أم لهم هذا فيمنعوا محمداً عليه السلام مما أنعم اللّه عز وجل به عليه من النبوة . و « أم » قد ترد بمعنى التقريع إذا كان الكلام متصلاً بكلام قبله كقوله تعالى : { الۤـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } [ السجدة : 1 - 3 ] وقد قيل إن قوله : { أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ } متصل بقوله : { وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ } [ صۤ : 4 ] فالمعنى أن اللّه عز وجل يرسل من يشاء لأن خزائن السموات والأرض له { أَمْ لَهُم مٌّلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيَنَهُمَا } أي فإن ٱدعوا ذلك { فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ } أي فليصعدوا إلى السموات ، وليمنعوا الملائكة من إنزال الوحي على محمد . يقال : رَقِيَ يَرْقَى وٱرتقى إذا صَعِد . ورَقَى يَرْقِي رَقْياً مثل رَمَى يَرْمي رَمْياً من الرُّقْية . قال الربيع بن أنس : الأسباب أرقّ من الشَّعر وأشدّ من الحديد ولكن لا ترى . والسبب في اللغة كل ما يوصل به إلى المطلوب من حبل أو غيره . وقيل : الأسباب أبواب السموات التي تنزل الملائكة منها قاله مجاهد وقتادة . قال زهير : @ * ولَوْ رَامَ أسبابَ السماءِ بِسُلَّم V @@ وقيل : الأسباب السموات نفسها أي فليصعدوا سماء سماء . وقال السدي : « في الأَسْبَابِ » في الفضل والدين . وقيل : أي فليعلوا في أسباب القوّة إن ظنوا أنها مانعة . وهو معنى قول أبي عبيدة . وقيل : الأسباب الحبال يعني إن وجدوا حبلاً أو سبباً يصعدون فيه إلى السماء فليرتقوا وهذا أمر توبيخ وتعجيز . ثم وعد نبيّه صلى الله عليه وسلم النصر عليهم فقال : { جُندٌ مَّا هُنَالِكَ } « ما » صلة وتقديره هم جند ، فـ « جُنْدٌ » خبر ابتداء محذوف . { مَهْزُومٌ } أي مقموع ذليل قد ٱنقطعت حجتهم لأنهم لا يصلون إلى أن يقولوا هذا لنا . ويقال : تهزّمت القربة إذا ٱنكسرت ، وهزمتُ الجيش كسرته . والكلام مرتبط بما قبل أي { بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } وهم جند من الأحزاب مهزومون ، فلا تغمك عزتهم وشقاقهم ، فإني أهزم جمعهم وأسلب عزهم . وهذا تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم وقد فُعِل بهم هذا في يوم بدر . قال قتادة : وعد اللّه أنه سيهزمهم وهم بمكة فجاء تأويلها يوم بَدْر . و « هُنَالِكَ » إشارة لبدر وهو موضع تحزُّبهم لقتال محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : المراد بالأحزاب الذين أتوا المدينة وتحزبوا على النبيّ صلى الله عليه وسلم . وقد مضى ذلك في « الأحزاب » . والأحزاب الجند ، كما يقال : جند من قبائل شتّى . وقيل : أراد بالأحزاب القرون الماضية من الكفّار . أي هؤلاء جند على طريقة أولئك كقوله تعالى : { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ } [ البقرة : 249 ] أي على ديني ومذهبي . وقال الفراء : المعنى هم جندٌ مغلوب أي ممنوع عن أن يصعد إلى السماء . وقال القتبي : يعني أنهم جند لهذه الآلهة مهزوم ، فهم لا يقدرون على أن يدّعوا الشيء من آلهتهم ، ولا لأنفسهم شيئاً من خزائن رحمة اللّه ، ولا من ملك السمواتِ والأرض .