Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 54, Ayat: 9-15)
Tafsir: al-Kašf wa-l-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ } أي قبل أهل مكة { قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا } نوحاً { وَقَالُواْ مَجْنُونٌ } أي هو مجنون { وَٱزْدُجِرَ } أي زجروه عن دعوته ومقالته ، وقال مجاهد : استطر جنوناً ، وقال ابن زيد : اتهموه وزجروه وواعدوه " لئنْ لم تنتهِ لتكوننّ من المرجومين " . { فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ } مقهور { فَٱنتَصِرْ } فانتقم لي منهم . أخبرني ابن فنجويه قال : حدّثنا ابن يوسف ، قال : حدّثنا الوفراوندي ، قال : حدّثنا يوسف ابن موسى ، قال : حدّثنا وكيع عن الأعمش عن مجاهد عن عبد بن عمير ، قال : إن الرجل من قوم نوح ليلقاه فيخنقه حتى يخر مغشياً ، فيفيق حين يفيق وهو يقول : رب اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون . { فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ } منصبّ مندفق ولم يقلع ولم ينقطع أربعين يوماً . قال ابن عباس والقرظي : منفجر من الأرض . يمان : طبق ما بين السماء والأرض . أبو عبيدة : هايل . الكسائي : سايل . قال امرؤ القيس يصف غيثاً : @ راح تمريه الصبا ثم انتحى فيه شؤبوب جنوب منهمر @@ وقال سلامة بن جندل يصف فرساً : @ والماء منهمر والشدّ منحدر والقصب مضطمر واللون غربيب @@ { وَفَجَّرْنَا } شققنا { ٱلأَرْضَ } بالماء { عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ } يعني ماء السماء وماء الأرض ، وانما قال : التقى الماء ، والالتقاء لا يكون من واحد وانما يكون من اثنين فصاعداً ، لأن الماء جمعاً وواحداً . وقرأ عاصم الجحدري ( فالتقى الماءان ) ، وقرأ الحسن ( فالتقى الماوان ) بجعل إحدى الألفين واواً . { عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ } قُضي عليهم في أُم الكتاب . قال محمد بن كعب القرظي : كانت الأقوات قبل الاجساد ، وكان القدر قبل البلاء ، وتلا هذه الآية . { وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ } ذكر النعت وترك الاسم ، مجازه : على سفينة ذات ألواح من الخشب { وَدُسُرٍ } مسامير ، واحدها دسار ، يقال منه : دسرت السفينة إذا شددتها بالمسامير ، وهذا قول القرظي وقتادة ، وابن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس وشهر بن حوشب : هي صدر السفينة سمّيت بذلك لأنها تدسر الماء بجؤجئها ، اي تدفع ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس ، قال : الدسر : كلكل السفينة ، وأصل الدسر الجر والدفع ، ومنه الحديث في العنبر " إنما هو شيء دسّره البحر " ، أي دفعه ورمى به ، وقال مجاهد : هي عوارض السفينة . الضحّاك : ألواح جانبها ، والدسر أصلها وطرفها . ليث بن أبي نجيح عن مجاهد : أضلاعها . { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } أي بمرأى منّا . مقاتل بن حيان : بحفظنا ، ومنه قول الناس للدموع : عين الله عليك . مقاتل بن سليمان : بوحينا . سفيان : بأمرنا . { جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ } يعني فعلنا ذلك ثواباً لنوح ، ومجاز الآية : لمن جحد وأنكر وكفر بالله فيه ، وجعل بعضهم { مَن } هاهنا بمعنى ( ما ) ، وقال معناه : جزاء لمن كان كفر من أيادي الله ونعمائه عند الذين غرقهم ، وإليه ذهب ابن زيد ، وقيل : معناه عاقبناهم لله ولأجل كفرهم به . وقرأ مجاهد { جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ } بفتح الكاف والفاء يعني كان الغرق جزاء لمن يكفر بالله ، وكذب رسوله فأهلكهم الله . وما نجا من الكفّار من الغرق غير عوج بن عنق كان الماء إلى حجزته ، وكان السبب في نجاته على ما ذكر أن نوحاً عليه السلام احتاج إلى خشب ساج للسفينة فلم يمكنه نقلها ، فحمل عوج تلك الخشبة إليه من الشام . فشكر الله تعالى ذلك له ونجّاه من الغرق . { وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا } يعني السفينة { آيَةً } عبرة . قال قتادة : أبقاها الله بباقردى من أرض الجزيرة عبرة وآية ، حتى نظرت إليها أوائل هذه الأُمة نظراً ، وكم من سفينة كانت بعدها قد صارت رمداً . { فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } متّعظ معتبر وخائف مثل عقوبتهم . { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } أي إنذاري . قال الفرّاء : الإنذار والنذر مصدران تقول العرب : أنذرت إنذاراً ونذراً ، كقولك : انفقت إنفاقاً ونفقة ، وأيقنت إيقاناً ويقيناً . { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا } سهّلنا وهونّا { ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ } اي ليتذكر ويُعتبر به ويتفكر فيه ، وقال سعيد ابن جبير : يسّرنا للحفظ ظاهراً ، وليس من كتب الله كتاباً يقرأ كله ظاهراً إلاّ القرآن . { فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } متّعظ بمواعظه . أخبرني الحسن بن محمد بن الحسين ، قال : حدّثنا موسى بن محمد بن علي ، قال : حدّثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن راهويه قال : حدّثنا أبو عمير بن النحاس ببيت المقدس ، قال : حدّثنا ضمرة بن ربيعة عن عبدالله بن شوذب عن مطر الوراق في قول الله سبحانه { فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } قال : هل من طالب علم فيعان عليه . { كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ } شؤم وشرّ { مُّسْتَمِرًّ } وكان يوم الأربعاء ، مستمر : شديد ماض على الصغير والكبير فلم تُبقِ منهم أحداً إلاّ أهلكته ، وقرأ هارون الاعور { نَحْسٍ } بكسر الحاء . { تَنزِعُ ٱلنَّاسَ } تقلع الناس ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتدقّ رقابهم ، قال ابن إسحاق : لمّا هاجت الريح قام نفر من عاد سبعة يسمى لنا منهم ستّة من أشدّ عاد وأجسمها منهم : عمرو بن الحلي ، والحرث بن شداد والهلقام وابناتيقن ، وخلجان بن سعد فأولجوا العيال في شعب بين جبلين ، ثم اصطفوا على باب الشعب ليردّوا الريح عمن في الشعب من العيال ، فجعلت الريح تخفقهم رجلا رجلا ، فقالت امرأة من عاد : @ ذهب الدهر بعمر بن حلي والهنيات ثم بالحرث والهلقام طلاع الثنيات والذي سدّ مهب الريح أيام البليات @@ وبإسناد أبي حمزة الثمالي قال : حدّثني محمد بن سفيان عن محمد بن قرظة بن كعب عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " انتزعت الريح الناس من قبورهم " . { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ } قال ابن عباس : أُصول ، وقال الضحّاك : أوراك . { نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ } منقلع من مكانه ، ساقط على الأرض ، وواحد الأعجاز عجز مثل عضد وأعضاد ، وإنّما قال : أعجاز نخل وهي أُصولها التي تقطعت فروعها ، لأن الريح كانت ترمي رؤوسهم من أجسادهم ، فتبقى أجسام بلا رؤوس . سمعت أبا القاسم الجنيني يقول : سمعت أبا علي الحسين بن أحمد القاضي البيهقي . يقول : سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن القاسم بن سياب الأنباري يقول : سئل المبرّد بحضرة إسماعيل بن إسحاق القاضي عن ألف مسألة هذه من جملتها ، وهو أن السائل قال : ما الفرق بين قوله : { جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ } [ يونس : 22 ] و { وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً } [ الأنبياء : 81 ] و { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } [ الحاقة : 7 ] وقوله : و { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ } ؟ فقال : كل ما ورد عليك من هذا الباب فلك أن تردّه إلى اللفظ تذكيراً ، ولك أن ترده إلى المعنى تأنيثاً . { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } .