Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 7, Ayat: 148-148)

Tafsir: Ḫawāṭir Muḥammad Mutawallī aš-Šaʿrawī

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

وقوله : { مِن بَعْدِهِ } أي من بعد ذهابه لميقات ربه بعد أن قال لهارون : { ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي } . بعد ذلك اتخذ قوم موسى من حليهم عجلاً جسداً له خُوار ، ونعرف أن الحلي هو ما يُتَزين به من الذهب ، والجواهر والأشياء الثمينة ، وسيد هذه الحلي هو الذهب دائماً ، ونعلم أن الصائغ الماهر يشكل الذهب كما يريد ، وإن انكسر يسهل إصلاحه ، كما أن كسر الذهب بطيء ، ولذلك يقال : إن الذهب كالإِنسان الطيب ، كسره بطيء ، وانجباره سهل . وساعة نسمع كلمة " زينة " قد يدخل فيها الماس والزمرد ، والياقوت ، لكن الذهب سيد هذه الحلي . ونعلم أن العالم مهما ارتقى ، فلن يكون هناك رصيد لأمواله إلا الذهب ، ولذلك لم يأت سبحانه بالياقوت ، أو بالجواهر ، أو بالماس . ولذلك إذا أطلقت كلمة " الحلي " فالمراد بها الذهب . وهذه الزينة هي التي صنع منها موسى السامري تمثال العجل ، وبطبيعة الحال أخذ الحلي الذهبية لأن الماس والجواهر لا يمكن صهرها . لكن من أين جاء قوم موسى بالحلي وقد كانوا مستضعفين ، ومستذلين ؟ لقد احتالوا على أهل مصر وأخذوا منهم الحلي كسلفة سيردونها من بعد ذلك . ثم جاء رحيلهم فأخذوا الحلي معهم ! وغرق قوم فرعون وبقيت الحلي مع قوم موسى ، وصنع موسى السامري من ذهب هذه الحلي عجلاً ، والعجل هو الذكر من ولد البقر ، وساعة تسمع قوله : { عِجْلاً جَسَداً } أي أنه مُحَجَّم ، أي له حجم واضح . وأخذ أهل التفسير من كلمة " جسداً " أن ذلك العجل هو بدن لا روح له ، مثلما نقول : " فلان هذا مجرد جثة " . أي كأنه جثة بلا روح . وقوله الحق : { عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ } ، هذا القول يدل على أن جسدية العجل لم تكن لها حياة لأنه لو كان جسداً فيه روح لما احتاج إلى أن يقول عجلاً جسداً له خوار ، ولاكتفي بالقول بأنه عجل . لكن قوله سبحانه : { لَّهُ خُوَارٌ } دليل على أن الجسدية في العجل لا تعطي له الحياة . وجاء بالوصف في قوله : { لَّهُ خُوَارٌ } والخُوار هو صوت البقر . وقد صنعه من الذهب وكأنه يريد أن يتميز عن الآلهة التي كانت من الأحجار ، وحاول أن يجعله إلهاً نفيساً ، فصنعه - كما نعرف - من الحلي المسروقة ، وصنعه بطريقة أن هذا العجل الجسد إذا ما استقبل من دبره هبة الهواء صنعت وأحدثت في جوفه صوتاً يشبه صوت وخوار البقر الذي يخرج من فمه ، وهذه المسألة نراها في الناي وهو أنبوبة من القصب مما يسمى الغاب البلدي وتصنع به ثقوب ، ويعزف عليه العازف ليخرج منه النغمة التي يريدها . وحين صنع موسى السامري العجل بهذه الحيلة ، حدث هذا الصوت مشابهاً لخوار البقر . وقصة هذا العجل تأتي في سورة طه بوضوح وسنتعرض لها حين نتعرض بخواطرنا الإِيمانية لسورة طه بإذن الله : { عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ } [ الأعراف : 148 ] . ولماذا اختار السامري العجل ؟ لأنهم حين خروجهم من مصر ، رأوا قدماء المصريين وهم يعبدون العجل لمزية فيه ، فقد كانوا يرون فيه مظهر قوة ، كما عبد الآخرون الشمس حين رأوا فيها مظهر قوة ، وكذلك من عبدوا القمر ، والنجوم . وقدماء المصريين عبدوا العجل لأن فيضان النيل كان يغمر الأرض بالمياه ، وكانوا يستخدمون العجل . حين يريدون حرث الأرض . وكان أَيِّدًا ، أي قويًّا وشديداً في حرث الأرض وهذا مظهر من مظاهر القوة ، ولكن كيف اتخذ قوم موسى من بعده عجلاً يعبدونه بعد أن أتم عليهم الله المنة العظيمة حين أنجاهم وأغرق فرعون وآله ؟ . وهنا أوضح لنا الله أنه جاوز ببني إسرائيل البحر ومروا على قوم يعبدون الأصنام فقالوا لموسى عليه السلام : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة . ويأتي القول من الحق : { أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ } [ الأعراف : 148 ] . وهذه قضية تهدم كل عبادة دون عبادة الله لأن العبد لا بد أن يتلقى من المعبود أوامر ، وأن يكون عند المعبود منهج يريد من العبد أن ينفذه ، وأن يأتي المنهج بواسطة رسل يبلغون رسالات الله وكلام الله للبشر . أما الذين يعبدون الشمس - مثلاً - فنسألهم : لماذا تعبدونها ؟ وما المنهج الذي أرسلته الشمس لكم ؟ . إن العبادة هي طاعة العابد للمعبود في " افعل " و " لا تفعل " فهل قالت لكم الشمس " افعلوا " و " لا تفعلوا " ؟ لا لأنه لا توجد واسطة كلامية تقول لكم المنهج ، وكيف يوجد - إذن - معبود بدون منهج للعابد ؟ وهل قالت : إن من يعبدني سأشرق عليه ، وأعطيه الضوء والحرارة ، ومن لا يعبدني فلن أعطيه شيئاً من ذلك ؟ لم تقل الشمس ذلك فهي تعطي من آمن بها ومن كفر ، ولم ترسل خبراً عن الآخرة وقيام القيامة . وهكذا يبطل أمامنا كل عبادة لغير الله من ناحية أن العبادة تقتضي أمراً ونهيا ، في " افعل " و " لا تفعل " ولم يقل معبود من هؤلاء ما الذي نطيعه وما الذي نعصاه . والأصل في المعبود أنه يهدي العابد السبيل الموصل إلى خيره في الدنيا وفي الآخرة . لذلك يقول الحق : { أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ } . و { وَكَانُواْ ظَالِمِينَ } لأنهم أعطوا حقاً لمن ليس له الحق ، والحق سبحانه أعلى قمة في الحق ، ولذلك قال عن الشرك به : { إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] . ويقول الحق بعد ذلك : { وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ … } .