Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 12, Ayat: 22-29)

Tafsir: al-Hidāya ilā bulūġ an-nihāya

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

قوله : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } - إلى قوله - { مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ } : أي : ولما بلغ منتهى قوته ، وشدته . قال مجاهد : هو ثلاث وثلاثون سنة . وقال ابن عباس : بضع وثلاثون سنة . وقال الضحاك : عشرون سنة . وقال ربيعة ، وزيد بن أسلم ، ومالك ، رضي الله عنهم : الأشد الحُلُمُ . وقال الزجاج : الأشد : من سبع عشرة إلى أربعين . والأشد جمع عند سيبويه ، واحدُهُ " شدة " كنعمة وأنْعُم . وقال الكسائي : واحدة شدة كقد وأقُدُ . وقال أبو عبيدة : لا واحد له من لفظه عند العرب . وقال يونس الأشد جمع واحدةُ شد ، وهو يذكر ويؤنث وفيه لغة ، وهي ضم الهمزة . قوله : { آتَيْنَاهُ حُكْماً ( وَعِلْماً ) } : قال مجاهد : العقل ، والعلم قبل النبؤة . وقيل : المعنى : جعلناه المستولي على الحكم ، فكان يحكم في سلطان الملك . وآتيناه علماً بالحكم . { وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } . أي : ومثل ما فعلنا بيوسف ، نفعل بمن أطاع ، وأحسن في طاعته . وقيل : المراد به محمد صلى الله عليه وسلم . ولفظه عام ، والمراد به الخصوص ، والمعنى : وكما فعلنا بيوسف في تمكينه ، ونجيناه من إخوته . كذلك نفعل بك يا محمد : نمكنك وننجيك من مشركي قريش ، ونؤتيك الحكم والعلم . ومن قرأ { هَيْتَ لَكَ } بالفتح ، فتح لالتقاء الساكنين . ومن همز جعله من ( تهيأت ) / ( لك ) . ومن كسر ، لالتقاء الساكنين . ومن ضم كذلك شبهها بقبل وبعد . ومن لم يهمز ، أبدل من الهمزة تاءً . ويجوز أن يكون ليس من تهيأت ، وإنما بني لأنه صوت ، لا حظ له في الإعراب . وقد قيل : إن من همز ، فإنما هو من : " هاء يَهيءُ " مثل جاء يجيء . ومعناه : حسنة هيئتك . ومن قرأ بالياء فعلى التخفيف من هذا المعنى ، ويكون " لك " من كلام آخر ، كما نقول : " لك عندي " . وقيل : إن من همزه ، وضم التاء ، فهي من تهيأت . والتاء للمتكلم كتاء قمت ، ( كما ) يقول الرجل : هيأت للأمر ، أهيء ، هيأة . والمعنى وراودت يوسف امرأة العزيز عن نفسه للجماع ، وغلقت أبواب البيت عليها ، وعليه ، وقالت : { هَيْتَ لَكَ } : أي : هلم لك ، أي : اذْن ، وتقرب ، وتعال . يقال : هيت فلان لفلان : إذا دعاه . وقال ابن عباس : { هِيْتَ } : كلام بالسريانية ، تدعوه إلى نفسها . قال يوسف لها : ( معاذ الله ) : أي : أعوذ بالله معاذاً . والمصدر يدل على الفعل . { إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ } : " أي : إن العزيز مالكي ، وصاحبي ، أحسن مثواي " وقيل : إن معنى الكلام : إن العزيز سيدي ، يعني زوج المرأة . وقيل : " الهاء " لله . والمعنى : إن الله ربي أحسن مثواي ، فلا أعصيه . وقيل : " الهاء " عماد بمعنى الخبر ، والأمر ، فيكون " ربي " مبتدأ ، و " أحسن " خبره . وعلى القول الأول : " ربي " خبر " إنَّ " . ومعنى : { أَحْسَنَ مَثْوَايَ } - إذا كان للعزيز - : أي : أحسن قراي ، ومنزلي ، وائتمنني فلا أخونه . وإذا كان لله : فمعناه : أحسن خلاصي ، وعلمني ، وخلقني فلا أعصيه , { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ } : أي : إن الحديث لأبقى للظالمين . وأصل الفلاح : البقاء ، أي : " هذا الذي تدعونني إليه ظلم ، ولا يفلح من عمل به . والأبواب : وقف عند نافع ، ولَكَ التمام عند غيره . ثم قال تعالى : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } . قيل : في الكلام تقديم وتأخير . والتقدير : ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه ، لنصرف عنه السوء " . وقيل : " كذلك " : في موضعها لا تأخير فيها . ذكر أنها جعلت تذكر له محاسن نفسه ، وتشوقه ، إلى نفسها . قال السدي : قالت له : يا يوسف ! ما أحسن شعرك قال : هو أول ما يتناثر من جسدي . قالت له : يا يوسف ! ما أحسن عينيك ، قال : هي أول ما يسيل إلى الأرض من جسدي . قال : فلم تزل به حتى أطمعته ( فهمت به ، وهمّ بها ) فدخلا البيت وغلقت الأبواب ، وذهب ليحل سراويله ، فإذا هو بصورة يعقوب ، " قائماً في البيت " قد عضّ على إصبعه يقول : يا يوسف تواقعها ، فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق . ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات وقع في الأرض ، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه . ومثلك إذا لم تواقعها مثل الثور / الصعب ، لا يعمل عليه . ومثلك إذا واقعتها مثل الثور حين يموت ، فيدخل النمل في أصول قرونه ، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه . فربط سراويل ( ه ) وذهب ، ليخرج يشتد ، فأدركته ، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه ، فخرقته حتى أخرجته منه ، وسقط ، وَطَرَحَهُ يوسف ، واشتد نحو الباب . والهَمُّ بالشيء في كلام العرب : حديث النفس { بِهِ } ، ما لم يفعله . ويروى أن يوسف ، عليه السلام ، لما خلا بها قامت لتستر ما بينهما ، وبين الصنم ، فقال لها يوسف : ما تفعلين ؟ فقالت : أستر ما بيننا وبين هذا الصنم ، لا يراني خاليةً معك . فقال لها يوسف : وأي شيء يستُرني من ربي . وقال الحسن : زعموا - والله أعلم - أن سقف البيت انفرج ، فرأى يوسف يعقوب عاضاً على إصبعه ، فَولَّى هَارباً . وقيل : رآه جبريل ، عليهما السلام ، قائلاً له : يا يوسف ! . جعل الرحمان اسمك في الأنبياء ، وتعمل عمل السفهاء . لئن واقعت الخطيئة ، ليمحونك من ديوان النبؤة . ( و ) قال ابن أبي مليكة عن ابن عباس : نودي أيا يوسف ! أتزني ؟ فتكون مثل الطير الذي نتف ريشه ، وذهب يطير فلم يستطع . وقيل : ركضه جبريل صلى الله عليه وسلم ، بعد النداء ركضةً في ظهره ، فلم تبق فيه شهوة إلا خرجت . فوثب واستبقا الباب ، وتطاير ( ت ) مسامير الباب ، فلم تقدر أن تعلقه عليه . فتعلقت به ، فقدّت قميصه من دبر . وقال علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) : همّ يوسف أن يحل التكـ [ ـة ] ، فقامت إلى صنم مكلل بالدُّرر ، والياقوت ، فسترته بثوب أبيض ، فقال لها يوسف : أي شيء تصنعين ؟ قالت : أستحي من إلاهي هذا أن يراني على هذه الصورة . فقال : أتستحين من صنم لا يعقل ، ولا يسمع ، ولا يأكل ، ولا يشرب ، ولا أستحي من إلاهي القائم على كل نفس بما كسبت ، والله لا تنالها مني أبداً . وقيل : رأى في جدار البيت مكتوباً : { وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ } [ الإسراء : 32 ] الآية . وقال وهب : رأى كفاً فيها مكتوب : { أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [ الرعد : 32 ] ، ورأى ( بعدها كفاً ) فيها مكتوب { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ } [ الانفطار : 10 ] إلى قوله - { تَفْعَلُونَ } [ الانفطار : 12 ] ، ثم رأى كفاً ثالثة فيها مكتوب { وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ } [ الإسراء : 32 ] الآية - ، ثم رأى رابعة فيها مكتوب { وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } [ البقرة : 281 ] الآية . فولى يوسف هارباً . وقال محمد بن كعب : رأى مكتوباً بين عينيها { وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ } الآية . قال ابن عباس : همّ يوسف بها ، حتى حمل الهِميان ، وجلس منها مجلس الخاتن والروايات فيها كثيرة ، لأنه قد حلّ وجلس ، واستلقت هي له . وقال أهل العلم : إنما ابتلى الله أنبياءه بالخطايا ، ليكونوا على وَجَلٍ وإشفاقٍ ، ولا يَتَّكِلوُا على سعة عفو الله عزّ وجلّ . وقيل : بل ابتلاهم بذلك ، ليعرفهم موضع نعمته عليهم / ، بصفحه عن ذنوبهم . وقال أبو عبيدة : المعنى : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } : تَمَّ الكلام . { وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ } : أي : " لولا أن رأى برهان ربه ، هَمَّ بها " : على التقديم والتأخير ، ينفي عن يوسف أن يكون هَمَّ بالخطيئة . وقد خالفه في ذلك جميع أهل التفسير ، ولا يجوز هذا أيضاً عند أهل العربية ، لأنه لو كان كما قال ، لكان باللام . لا يجوز عندهم : " ضربتك لولا زيد " . والمعنى عندهم : { لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ } ، لأمضى ما همَّ به . وقد قيل : إنَّ الهَمَّ بها : هو ما يخطر على القلب من حيل الشيطان ، وذلك مما لا يؤاخذنا الله به . وقيل : معنى { وَهَمَّ بِهَا } : أي : بضربها ، ودفعها ، ولم يفعل [ ذلك ] لئلا يكون [ ذلك ] لها حجة عليه . أَلقَى الله في نفسه ذلك فلم يفعله . وقيل : إنه نودي ، يا يوسف ! تزني ، وأنت مكتوب في الأنبياء ، تعمل عمل السفهاء . وقال الحسن : رأى صورة فيها وجه يعقوب ، عاضّاً على أنامله ، فدفع في صدره ، فخرجت شهوته من أنامله . فكل ولد يعقوب ولد له ، إثنا عشر ولداً ، إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولداً ، نقَّصَ له بتلك الشهوة ولداً . وروي أنه نظر إلى يعقوب عاضاً على أنامله ، يقول له : يا يوسف أتزني كما زنت الحمامة ، فتساقط ريشها . وكان ذلك جبريل ، عليه السلام . وقيل : إنه سمع من قومه قائلاً ، يقول { وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً } [ الإسراء : 32 ] . وروي أنه كان لامرأة العزيز صنماً تعبده في بيتها ، فلما أرادته أرخت على صنمها الستر لئلا يراها . فقال لها يوسف : أنت تستحيين من صنم ، لا يسمع ، [ ولا يعقل ] ، ولا يبصر ، وأنا لا أستحي من رب العالمين ، الذي لا يحجبني عنه شيء . فولَّى هارباً . وقيل : البرهان أنه تفكر فيما أوعد الله ، عز وجل ، على الزنا . وقيل : إنه تذكر في قول الله عز وجل : { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ } [ الانفطار : 10 ] ، وفي قوله : { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ } [ يونس : 61 ] ، وفي قوله : { أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [ الرعد : 33 ] وفي قوله : { وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ } . وروي عن ابن عباس أنه رأى تمثال الملك . ثم قال تعالى : { وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ } : أي : استبق يوسف ، وامرأة العزيز الباب ليهرب منها ( فلحقت قميصه ) فقدته من دبر ، وصادفاً زوج المرأة ، وهو العزيز عند الباب . قال السدي : وجد زوجها جالساً عند الباب ، وابن عمها معه ، فلما رأته حضرها كيد ، وخافت أن تفتضح ، فقالت : { مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا } ، إنه راودني عن نفسي ، فدفعته عن نفسي ، فشققت قميصه . قال يوسف : بل هي راودتني عن نفسي ، فأبيت وهربت منها . فأدركتني فشقت قميصي . فقال ابن عمها : تبيان هذا في القميص ، فإن كان قُدَّ من قُبُل فصدقت ، وإن كان من دبر ، فكذبت . فأوتي بالقميص فوجد قد قُدَّ من دبر . فقال العزيز : { إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } / آية . ومعنى : { سُوۤءًا } هنا : الزنا ، ولم يكن يوسف يُريد أن يذْكُره لزوجها حتى كانـ ( ـت ) هي التي ابتدأت بالكيد ، فغضب ، فقال : هي { رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي } والشاهد ابن عمها . وقيل : هو صبي كان في المهد ، قاله ابن عباس . وقيل : كان من خاصة الملك ، حكيماً من أهلها ، وهو " أشبه " لأنه لو كان طفلاً كان في كلامه في المهد ، وشهادته وحكمه ( آية ليوسف ) ولا يحتاج إلى ثوب ، ولا غيره . والقول عند المازني مضمر ، والمعنى : فقال : إن كان قميصه . ويروى أنها قالت هو حوّل قميصه . وخرقه ليكون له حجة ، فروي أن يوسف قال عند ذلك : هذه علامة في ظهري ، لا تنالها يدي من كل جانب تناولته هي . فعلموا عند ذلك أنها التي قدَّت القميص ، فعند ذلك قال العزيز : { إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ } . وقيل : إن القائل هذا هو الشاهد ، ورد الجواب على قولها : { مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا } . ثم قال تعالى : { يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا } : أي : قال الشاهد : يا يوسف أعرض عما كان منها اليوم لا تذكره لأحد . { وَٱسْتَغْفِرِي } أنت زوجك : أي : سليه ، ألا يعاقبك على ذنبك . { إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ } هذا كله قول الشاهد لهما . وقال : { مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ } ، ولم يقل : " من الخاطئات " : لأنه قصد الخبر عن من يعقل " كلهم " : المذكر والمؤنث ، فغلّب المذكر . أي : إنك كنت من الناس الخاطئين .