Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 2, Ayat: 147-157)
Tafsir: al-Hidāya ilā bulūġ an-nihāya
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قوله : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } إلى قوله : { وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ } . أي : هذا الحق من ربك . { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } أي : لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم . وهذا خطاب للنبي [ عليه السلام ] والمراد به أمته . ثم قال تعالى : { وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا } . " هو " يرجع إلى " كُلٍّ " . والهاء في " مُوَلِّيها " ترجع إلى القبلة . وقيل : " هُوَ " يرجع إلى الله جل ذكره . فأما من قرأ " هو مُوَلاَّها " ، فهو يرجع إلى " كُلٍّ " لا غير . قال مجاهد : " معناه : ولكل صاحب ملة قبلة " . يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة . قال ابن عباس : " يعني بذلك أهل الأديان ؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها . ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون " . وقال الضحاك : " معناه ولكل صاحب ملة قبلة ، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه " . وقال السدي : " المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها " . والمعنى عند أهل العربية ، هو موليها نفسه / أو وجهه . فأما من قرأ : " مُوَلاَّهَا " فالضمير على هذه القراءة لواحد ، أي : ولكل واحد من الناس قبلة ، الواحد مولاها ، أي : مصروف إليها . وقال الأخفش : " المعنى : موليها الله إياه على ما يزعمون " / يريد على قراءة موليها . وقال علي بن سليمان : " المعنى هو متوليها ، والوجهة والجهة والوجه واحد " . وعن قتادة في قوله : { هُوَ مُوَلِّيهَا } ، قال : " هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة " . فيكون التقدير على هذا : ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده " . وهو قول الأخفش الذي تقدم . ومعنى " مولِّيها " مول وجهه إليها ومستقبلها . وقال الطبري : " التولية في الآية للكل ، ووُجدت للفظ " كل " ، قال : " فمعنى الكلام : ولكل أهل ملة وجهة ، الكل موليها وجوههم . قال : وأما قراءة ابن عامر فمعناه : هو موجَّه نحوها ، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله ، ولو سمي فاعله لكان الكلام : ولكل ذي ملة وجهة ، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها . ورويت قراءة شاذة بإضافة " كل " إلى " وجهة " ، وهي قراءة / لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر " . ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت : " هُمَا مُوَلِّياهَا " ، وفي الجمع [ هُمْ مَوَلُّوهَا ] وعلى قراءة ابن عباس / في التثنية " هُمَا مُوَلَّياهَا " . وفي الجمع [ هُمْ مُوَلَّوْهَا ] . فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة ، قلت في التثنية : " هُمَا [ مُوَلِّياهَا هُمَا ] وفي الجمع : " هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ " . ثم قال تعالى : { فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ } . أي : بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام . ثم قال : { أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً } . أي : في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة . { إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } . أي : على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير . ثم قال تعالى : { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ } الآية . وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام ، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع . ثم قال : { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } . الناس هنا : مشركو العرب . والمعنى : عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون لمشركي العرب حجة أي : خصومة / ودعوى باطل [ إلا لمشركي ] قريش فإن [ لهم عليكم ] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم : رجع [ محمد إلى ] قبلتنا ، وسيرجع إلى ديننا . هذا معنى قول مجاهد . وقال قتادة : " هم مشركوا العرب ، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة : قد رجع إلى قبلتكم ، فيوشك أن يرجع إلى دينكم " . قال الله تعالى : { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي } . وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [ عليه السلام ] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة : تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم ، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً ، ويوشك أن يدخل في دينكم ، فأنزل الله فيهم : { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي } . وهو قول عطاء والسدي وغيرهما . فهو على هذا التاويل استثناء صحيح ، وهو مذهب الطبري ، قال : " نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن لهم قِبَلَكُم خصومةً باطلة بأن يقولوا : إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس " . وقال بعض النحويين : " هو استثناء ليس من الأول ، / و " إلا " بمعنى " لكن " . قال أبو عبيدة : / " " إلا " بمعنى الواو " . وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام . و " إلا " إذا كانت بمعنى " لكن " ، فإنما هي إيجاب لشيء بعدما تؤكده . وقوله : { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي } . أي : لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج الباطلة ، واخشوا عقابي إن خالفتم أمري . وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى الكعبة وترك التوجه إلى غيرها . وقال السدي : " معناه : فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم " . ثم قال : { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ } . قال الأخفش : " هو معطوف على { لِئَلاَّ يَكُونَ } أي : لئلا يكون ، ولأتم نعمتي عليكم . فالمعنى : / ولّوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد الحرام كي لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش ، فإن لهم حجة باطلة ، وكي أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية . وقال ابن جبير : " { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ } : " أي : ولأدخلكم الجنة " . قال : " ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة " . وقال الزجاج : " اللام متعلقة بمحذوف والتقدير : ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتكم ، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [ سيحتجون عليكم ] بالباطل " . وقيل : التقدير : { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } ، { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } . ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير . وهو قول الأخفش المتقدم الذكر . ثم قال تعالى : { كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ } . تقديره : ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولاً منكم تالياً عليكم الكتاب ومطهراً لكم من الذنوب ومعلماً لكم ما لم تكونوا تعلمون . فكل ما بعد " رسول " نعوت له مكررة . وقال الزجاج : " الكاف متعلقة بما بعدها ، أي : فاذكروني كما أرسلت فيكم رسولاً منكم " . وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه ؛ تقول : " كما أحسنتُ إليك فأكرمني " . فتكون الكاف من " كما " متعلقة بـ " أكرمني " إذ لا جواب له . فإن قلت : " كما أحسنت إليك فأكرمني أكرمك " ، لم تتعلق الكاف من " كما " بـ " أكرمني " بأن له جواباً ، ولكن تتعلق بشيء آخر أو بمضمر . فكذلك قوله : { فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ } / هو أمر له جواب ، فلا [ تتعلق " كما " به ولا ] يحوز ذلك إلا على التشبيه بالشرط الذي يجاوب بجوابين ، نحو قولك : " إذا أتاك فلان فأته ترضه " ، فتكون " كما " و " أذكركم " جوابين [ للأمر . والأول أفصح ] وأشهر . وقيل : هي متعلقة بقوله : { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ } أي : " ولأتم نعمتي عليكم إتماماً كما أرسلنا " . وقيل : الكاف في موضع / نصب على الحال ، أي : ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال . وقيل : المعنى : ولأتم نعمتي عليكم بإتمام شرائع دين الحنيفية ملة إبراهيم كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم تالياً عليكم آياتي ، ومطهراً لكم ومعلماً لكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون . وكل ذلك بدعاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم [ في قوله ] : { وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } [ البقرة : 128 ] وقوله : { رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ / وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } [ البقرة : 129 ] . فدل هذا المعنى على ان الكاف متعلقة بقوله : { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ } فتلخيص المعنى : ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم كما أجبنا دعوته فيكم ، فأرسلنا إليكم رسولاً منكم . ومعنى " يزكيكم " / يطهركم من دنس الذنوب . { وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ } أي : القرآن ، والحكمة والسنن والفقه في الدين . { وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } . أي أخبار الأنبياء والأمم قبلكم ، وما هو كائن من الأمور . ومعنى { فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ } . قال ابن عباس : " إذا ذكر الله العبدُ وهو على طاعته ذكره برحمته ، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته " . وقال عكرمة : " يقول الرب : يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الصبح ساعة وبعد صلاة العصر ساعة ، وأنا أكفيك ما بينهما " . وقال ابن جبير : " اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة " . وقال الربيع في الآية : " إن الله ذاكر من ذكره ، وزائد من شكره ، ومعذب من كفره " . وكان بعضهم يتأوله من الذكر والثناء والمدح . وقيل : المعنى : اذكروني واذكروا نعمتي عليكم شكراً لها ، أذكركم برحمتي والزيادة من النعمة . وقال السدي : " ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله جل وعز ، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته ، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب " . والذكر فيما روي عن عمر رضي الله عنه ذكران . أحدهما أفضل من الآخر وهما : / ذكر الله عند أوامره ونواهيه ، وذكر الله بلسانه بالثناء عليه . فالأول أفضل ، وكلاهما فيه فضل وأجر وثواب ، إلا أن ذِكْر الله عند أمره ونهيه - فيفعل ما أمر به وينتهي عما نهى عنه - أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه . والفضل كله والشرف والأجر والثواب في اجتماعهما من الإنسان . وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره فيأتمر ، وعند نهيه فينتهي ، ولا ينساه من ذكره بلسانه . وكذلك الصبر صبران . وهما : الصبر على الطاعة وعن المعصية ، / والصبر على المصيبة . والأول أفضل . وقوله : { وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } . أي اشكروه على نعمة الإسلام والهدى ولا تجحدوا إحسانه إليكم ونعمه عندكم . والشكر معناه الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة . ومعنى الكفر التغطية للشي . ثم قال : { يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ } . هذه الآية حض من الله تعالى للمؤمنين على طاعته ، واحتمال المكروه في الله عز وجل . فالمعنى : استعينوا على طاعة الله بالصبر والتسليم لأمره في جميع ما يأمركم به ، واستعينوا على ذلك أيضاً بالصلاة لأن بها تتقربون إلى الله سبحانه ، فيجيب دعاءكم ويقضي حوائجكم . قال قتادة : " احتجوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في انصرافه إلى الكعبة : [ وقالوا : سيرجع محمد ] إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا ، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا بالصبر والصلاة " . وقيل : الصبر هنا الصوم ، لأنه يقطع عن اللذات . وقيل : الصبر هنا الصبر عن المعاصي . { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } : أي : ناصرهم وراض بفعلهم يظهر دينه على سائر الأديان لأن من كان الله معه فهو الغالب . ثم قال / تعالى : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } . هذا يدل على أنه لا يقال للشهيد ميت ، إنما يقال : شهيد وقتيل . فالمعنى : هم أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها . قاله مجاهد . قال قتادة : " كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارَف في طير [ خضر تأكل من ثمار ] الجنة ، وأن مساكنهم السدرة ، وأن للمجاهد في سبيل الله عز وجل ثلاث خصلات : من قتل في سبيل الله عز وجل منهم صار حياً مرزوقاً ، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً ، / ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً " . قال الربيع : " هم أحياء في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا . منها يأكلون ، من حيث شاءوا " . وقال عكرمة : " أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة " . وروى ابن عباس عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أنه قال : " الشُّهَدَاءُ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ " . ويُرْوى أنهم بباب الجنة في روضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً . [ فنهى الله المسلمين أن يسموهم ] أمواتاً وأمرهم أن يسموهم شهداء . وعن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أنه قال / في شهداء أحد : " هَؤُلاءِ الشُّهَدَاءُ ، وَأَنَا عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ ، جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ في طَيْرٍ خضرٍ تَرْتَعُ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ " . وقيل : المعنى : لا تقولوا : " هم أموات في دينهم ، بل هم أحياء في دينهم " . والقول الأول عليه أهل العلم . ثم قال تعالى : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ } . أي : لنختبرنكم ولنمتحننكم بشدائد الأمور فيظهر من هو في الصبر والاحتساب على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم باقٍ ، ممن ينقلب على عقبيه كما ابْتَلَيْتُكُمْ بتحويل القبلة . وقد عدهم الله بذلك الامتحان في آية أخرى فقال : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ / خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } [ البقرة : 214 ] الآية إلى { قَرِيبٌ } [ البقرة : 214 ] . قال ابن عباس : " أخبر الله عز وجل المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها ، وأمرهم بالصبر وبشّرهم ، فقال : { وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ } . وأخبر في الآية الأخرى أنه هكذا فعل بأوليائه قبلهم لتطيب أنفسهم فقال : { مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ } [ البقرة : 214 ] . وقوله : { بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ } . يعني خوف العدو . { وَٱلْجُوعِ } : يعني القحط . ثم قال : { وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ } : أي : الصابرين على الامتحان ، ثم بيّنهم فقال : { ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } . أي نحن وأموالنا له ، ونحن إليه راجعون . وقيل : معناه : ونحن مقرون بأن نبعث ونعطى الثواب على تصديقنا والصبر على ما ابتلينا به . ثم قال : { أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } . أي : مغفرة من ربهم . وقيل : ترحم من ربهم ورحمة . { وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ } . قال الليث في قوله : { إِنَّا للَّهِ } الآية " معناها : نحن والذي أصبنا به لله ونحن وإياه إلى الله راجعون " . / قال ابن جبير : " لم يعط هذه الآية أحد من الأمم قبلنا ولا نبي قبل نبينا . ولو علمها يعقوب عليه السلام لم يقل : { يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ } [ يوسف : 84 ] . وقال عكرمة : " انطفأ مصباح / النبي [ عليه السلام ] ليلة فقال : { إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } . فَقِيلَ : يَا نَبِيَّ اللهِ : أَمُصِيبَةٌ هَذِهِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، كُلُّ شَيْءٍ آذَى المُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ ، / وَلَهُ فِيهِ أَجْرُ المُصِيبَةِ " . وروي أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قال : " مَا مِنْ أَحَدٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَاسْتَرْجَعَ إِلاَّ اسْتَوْجَبَ مِنَ الله ثَلاثَ خِصَالٍ ؛ كُلُّ خَصْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " . قَال أبو عبيد : يعني قوله : { أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ } .