Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 2, Ayat: 170-173)

Tafsir: al-Hidāya ilā bulūġ an-nihāya

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

قوله : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } . إلى قوله : { إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } . الهاء والميم في " لهُمُ " تعودان على " من " في قوله { مَن يَتَّخِذُ } . وقيل : تعودان على " الناس " من قوله : { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ } . وهو اختيار الطبري . وذكر ابن عباس أن النبي [ عليه السلام ] دعا نفراً من اليهود إلى الإسلام ، ورغبهم وحذرهم عذاب الله . فقالوا : { بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ } أي : وجدنا . فأنزل الله عز وجل في ذلك : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا } الآية . والمعنى : وإذا قيل لهؤلاء الكفار اتبعوا ما أنزل الله ؛ أي : اتبعوا ما حرم الله عليكم فحرموه وما [ أحل الله ] لكم فحللوه ، ولا تحدثوا تحريم ما أحل الله لكم مثل البحائر والوصايل والسوائب والحوام التي قد حرمتم من عند أنفسكم ، قالوا : بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ، فأبوا إلا الكفر واتباع الكفر . قال الله تعالى : / { أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } . أي : لا يعقلون شيئاً من الدين ، ولا يهتدون إلى شيء من الخير تتبعونهم . فالمعنى : كيف تتركون ما أمركم به الله عز وجل وتتبعون طريق من لا يهتدي للحق ولا يعقل الخير . ثم قال : { وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ } . أي : مثل الكافر في قلة فهمه لما يتلى عليه من عند الله عز وجل وما يدعى إليه ويوعظ به ، مثل البهيمة التي تسمع الصوت إذا نعق بها ، ولا تعقل ما يقال لها . قال عكرمة : " معناه : مثلهم كمثل البعير أو الحمار تدعوه فيسمع الصوت ، ولا يفقه ما تقول له " . قال ابن عباس : " معناه : مثل الكافر كمثل البعير أو الحمار أو الشاة ، إذا قلت لبعضها : كُلْ ، لم تعلم ما تقول ، غير أنها تسمع الصوت . كذلك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك " . قال مجاهد : " هذا مثل ضربه الله تعالى للكافر يسمع / ما يقال له ، ولا يعقل ، كمثل البهيمة تسمع النهيق ولا تعقل " . وعلى هذا المعنى فسره كل المفسرين . وقوله : / { إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً } . أي : لا تعقل البهيمة ما يقال لها ، إنما تسمع دعاء ونداء ، كذلك الكافر . والذي ينعق هو الراعي للغنم ، فكما أن الغنم تسمع صوت الراعي إذا دعا بها ولا تفقهه ، كذلك الكفار يسمعون ما يقول / لهم محمد صلى الله عليه وسلم وما يدعوهم إليه ولا يفهمونه ولذلك قال تعالى : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ } . أي : حالهم حال الأصم الأبكم الأعمى ، إذ لا ينتفعون بذلك فيما يدعون إليه . فالمعنى : صم عن سماع الحق [ بكم عن قول الحق ، عمي عن النظر إلى الحق ] . وإنما قدم " صُمّ " في هذا الموضع وفي أول السورة على ما بعده لأنه أشد بلاء مما بعده لأنه يذهب به السمع والعقل . ألا ترى إلى قوله تعالى : { أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ } [ يونس : 42 ] فذكر ذهاب السمع [ مع الصّمّ ] ، وذكر بعده ذهاب البصر مع العمي لا غير . وعن ابن عباس أن التقدير : " مثل وعظ الذين كفروا وواعظهم ، كمثل الناعق بالغنم ، والمنعوق بهم " . فأضيف المثل إلى الذين كفروا ، وترك ذكر الوعظ والواعظ لدلالة الكلام عليه . وقيل : التقدير : ومثل الذين كفروا في تخلف فهمهم عن الله عز وجل ورسوله / كمثل / المنعوق بهم من البهائم . وقال ابن زيد : " معنى الآية : مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة التي لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع ، كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى ، فهو يصيح بما لا يسمع ويجيبه بما لا نفع فيه ولا حقيقة " . وقيل : المعنى : مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم وهي لا تفهم عنهم ، كمثل الناعق بالغنم ينعق بما لا يفهم عنه قوله . فكما لا ينتفع الناعق بالغنم بأن تفهم عنه ، كذلك الكافر مع آلهته . قال سيبويه : " تقديره : " مثلكم ومثل [ الذين ] كفروا ، كمثل الناعق والمنعوق به الذي لا يسمع . قال : فلم يشبهوا بما ينعق ، إنما شبهوا بالمنعوق به " . وكذا قال أبو عبيدة . وقال قطرب : " معناها : مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يعقل ولا يسمع ، كمثل الراعي إذا [ نعق بغنمه ، وهو أن يصوت ] بها ، وهو لا يدري أين هي " . وهذه الآية عند الطبري نزلت في اليهود . وهو قول عطاء . ومعنى ينعق : يصوت . ثم قال : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } . أي من حلال الرزق الذي أحله الله لكم ، وذروا ما حرم عليكم . { وَٱشْكُرُواْ للَّهِ } . أي : اثنوا عليه بما هو أهله على نعمه عندكم . { إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } : أي : إن كنتم منقادين لأمره سامعين له مطيعين . ثم قال : { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } . أي : لم يحرم عليكم شيئاً مما حرمتموه على أنفسكم من البحائر والوصائل والسوائب والحوام التي حرمتموها على أنفسكم ، إنما حرم عليكم أكل لحم الميتة ولحم الخنزير وأكل الدم وأكل ما ذبح لغير الله مثل ما يذبح للأصنام والأوثان ، وما ترك ذكر اسم الله عليه متعمداً ، فإنْ تَرَكَه ناسياً فلا شيء عليه . وهذا المحرم لفظه عام وفيه تخصيص لأن الميتة من الجراد وصيد البحر والدم المخالط للحم الذي هو غير جار وما نسي عليه التسمية كله حلال أكله . ومعنى : { وَمَآ أُهِلَّ } : ما ذبح لغير الله ، يعني للأصنام . قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم . فـ " ما " للأصنام … وقيل : هي للذبائح ، للأصنام . وقيل : للصياح ؛ النداءُ الذي ينادى به لغير الله على الذبائح . وأصل الإهلال رفع الصوت . وقيل : المعنى ما ذكر عليه غير اسم الله . ثم قال : { فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } . أي / فمن لحقته ضرورة من جوع وجهد وخوف على نفسه من الهلاك ، { غَيْرَ بَاغٍ } على المسلمين ، ولا متعمد للأكل ، { وَلاَ عَادٍ } ، أي متعد على الناس . وقيل : { وَلاَ عَادٍ } معناه : ولا عائد لأكْلة أخرى لغير ضرورة فيكون / من المقلوب ، أخرت الياء فصار كقاض . قوله : { فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ } . أي : لا حرج عليه في أكل ما يرد به روحه . وقيل : " معناه : من أكره على أكل شيء من هذا المحرم فلا إثم عليه إنْ أكَله مكرهاً " . قاله مجاهد . وقال ابن عباس : " من أكل شيئاً من هذا وهو مضطر فلا حرج عليه ، ومن أكله غير مضطر فقد بغى واعتدى " . قال ابن جبير في قوله : { غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } ، قال : " هو أن يقطع الطريق فلا رخصة له إذا جاع أن يأكل الميتة ، وإذا عطش أن يشرب الخمر " . وهو قول قتادة وعكرمة . وقال ابن زيد : " لا يأكل ذلك بغياً ولا تعدياً من الحلال إلى الحرام " . وقال النخعي : " غير باغ على المسلمين " . / قال مجاهد : { وَلاَ عَادٍ } : ولا متعد عليهم : من خرج يقطع السبل ويقطع الرحم فلا يحل له شيء من ذلك وإن اضطر " . فذهب إلى أن الباغي قاطع الطريق . والعادي قاطع الرحم . قال الحسن : " غير باغ فيها ، ولا متعد فيها يأكلها ، وهو عنها غني " . وقيل : المعنى : غير باغ ما حرم الله ، ولا عاد . وله في تركها وجه . وأجاز بكر القاضي لقاطع الطريق أن يأكل منها إذا اضطر ، لأن قتله لنفسه معصية أخرى / فلا يأمره بها . قال مسروق : " ومن اضطر إلى الميتة فأبى أن يأكل حتى مات ، دخل النار " . وقال مالك : " من اضطُر ، أَكَل شِبَعه منها " . وقال غيره : " إنما يأكل منها ما يقيم به الرمق " . وقيل : { غَيْرَ بَاغٍ } : غير خارج على المسلمين بسيفه باغياً عليهم ولا عادياً عليهم بحرب ظلماً . { فَلاۤ إِثْمَ } أي : فلا حرج ، إن الله غفور رحيم .