Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 2, Ayat: 35-37)
Tafsir: al-Hidāya ilā bulūġ an-nihāya
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قوله : { رَغَداً } إلى قوله : { مِمَّا كَانَا فِيهِ } . قوله : { رَغَداً } أي واسعاً . وقيل : هنيئاً . وقال مجاهد : " رغداً لا حساب عليهما فيه " ، وهو من السعة في المعيشة . قال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه : " الشجرة شجرة العلم ، فيها أنواع الثمار كلها " . وعن ابن جريج أنه قال : " هي التينة " . وعن ابن عباس أيضاً وأبي مالك : " الشجرة السنبلة لكن الحبة منها ككلى البقر ألين من الزبد وأحلى من العسل " . وروى عن ابن مسعود أنها الكرمة . وذكر ذلك أيضاً عن ابن عباس ، وعليه أكثر المفسرين ، ولذلك حرم الله الخمر في قول بعضهم . قال / أبو هريرة : " هي العنبة نهي آدم عنها ، وجعلت فتنة لولده من بعده " . وتزعم اليهود عليها اللعنة أنها الحنطة . قوله : { فَأَزَلَّهُمَا } . أي استزلهما ، ومن قرأ : ( فَأَزَالَهُمَا ) وهو حمزة فمعناه نحّاهُما . والهاء في " عَنْها " تعود على الشجرة ، يعني حسدهما إبليس اللعين على ما كانا فيه ، فاستزلهما وتكبر عن السجود لآدم صلى الله عليه وسلم . وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال : " بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر والشح : حسد إبليس وتكبر على آدم ، وشح آدم ، فقيل له : كُلْ من شجر الجنة إلا التي نهى / عنها فشح فأكل منها " . قال وهب بن منبه : " لما أراد إبليس من آدم عليه السلام ما أراد دخل في جوف الحية ، وكان لها أربع قوائم كالبختية ، فدخلت الجنة ، وخرج إبليس إلى الشجرة وأخذ منها ، وجاء إلى حواء فقال لها : انظري ما أطيب هذه الشجرة وأحلاها وأحسن ريحها . فأكلت منها ثم مضت إلى آدم صلى الله عليه وسلم فقالت له مثل ما قال إبليس ، فأكل منها ، فبدت له سوأته عند ذلك ، وقام فدخل في جوف الشجرة . فقال الله تعالى : يا حواء أنت التي غررت عبدي ، فإنك لا تحملين حملاً إلا حملتيه كرهاً ، ولا تضعين ما في بطنك إلا أشرفت على الموت مراراً . ثم لعن الحية لعنة تحولت قوائمها في بطنها ، ولا [ رزق لها ] إلا التراب ، وجعلها عدوة لبني آدم ، تهلكهم إذا لدغت أحدهم ويقتلونها إذا ظفروا بها " . وقال ابن عباس : " أتى إبليس اللعين ليدخل على آدم صلى الله عليه وسلم / فمنعته الخزنة فقال للحية وهي كأحسن الدواب : أدخليني في فقمك ، أي في جانب فمك ، حتى أدخل الجنة ففعلت ومرت بالملائكة وهم لا يعلمون ما صنعت ، فخرج إلى آدم / فقال : { يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ } [ طه : 120 ] ، كما حكى الله جل ذكره . وقال له : هل أدلك على شجرة إن أكلت منها / كنت ملكاً مثل الله سبحانه أو تكون من الخالدين ، وحلف لهما بالله إني لكما من الناصحين فأبى آدم عليه السلام أن يأكل ، فتقدمت حواء فأكلت ثم قالت : يا آدم ، كُلْ ، فإني قد أكلت فلم تضرني ، فلما أكل بدت لهما سوآتهما " . وروي أنهما لما أكلا من الشجرة سقط عنهما لباسهما وهو النور الذي كان ألبسهما الله إياهما ، فهرب آدم من ربه عز وجل مستتراً بورق الجنة ، فناداه ربه : أفراراً مني يا آدم ؟ قال : بل حياء منك يا رب . ما ظننت أن أحداً يقسم باسمك كاذباً ، فقال له الله جل ذكره : أما خلقتك بيدي ؟ أما أسجدت لك ملائكتي ؟ أما نفخت فيك من روحي ؟ أما أسكنتك في جواري ؟ فَلِمَ عصيتني ؟ أخرج من جواري ، فلا يجاورني من عصاني ، فقال آدم : سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله أنت رب ، عملتُ سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي ، إنك خير الغافرين . سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله إلا أنت ، عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني ، إنك أرحم الراحمين . سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت ربي عملت سوءاً ، وظلمت نفسي فتب علي / إنك أنت التواب الرحيم " . فهذه الكلمات التي ألهمها الله عز وجل . قوله : { فَتَابَ عَلَيْهِ } . وروي عن النبي [ عليه السلام ] أنه قال : " لَمْ يَحْزَنْ حُزْنَ آدَمَ أَحَدٌ قَطْ ؛ بَكَى أرْبَعينَ عاماً ، وسَجَدَ أرْبَعينَ عاماً تائِباً حَتَّى قَبِل اللهُ مِنْهُ " . وقال الحسن : " بكى آدم عليه السلام على الجنة ثلاثمائة " . وقال ابن زيد : " لو أن بكاء داود وبكاء جميع أهل الأرض عدل ببكاء آدم على الجنة ما عدله " . وقال ابن إسحاق : " لما دخل إليهما إبليس بكى وناح عليهما كيداً منه ، فقالا له : ما يبكيك ؟ فقال : أبكي عليكما تموتان ، وتفارقان ما أنتما فيه ، فوقع ذلك في أنفسهما ، ثم وسوس إليهما وحلف لهما فأكلا منها " ، قال : و " ذهب آدم عليه السلام في الجنة هارباً لما أكل ، فقال له [ ربه : يا آدم ] أمني تفر ؟ قال : لا يا رب ، ولكن حياء منك . قال الله : يا آدم : إنه أوتيتَ مِن قِبل حواء . قال : أي رب . قال الله : فإن لها علي أن أدميها في كل شهر مرة ، وأن أجعلها سفيهة وأن أجعلها تحمل كرهاً وتضع كرهاً " . وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله أن آدم ما أكل من الشجرة وهو يعقل ، ولكن حواء سقته الخمر ، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل . وقال جماعة من أهل التأويل : " لم يدخل إبليس الجنة وإنما وسوس إليه شيطانه الذي جعله الله ليبتلي به آدم وذريته ويأتي ابن آدم في يقظته ونومه ، وعلى كل حال . وقد قال تعالى : { فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ } [ الأعراف : 20 ] ، وقال : { يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ } [ الأعراف : 27 ] فأخبرنا أن الذي أخرج أبانا هو الذي يوسوس في صدورنا " . وعن النبي [ عليه السلام ] أنه قال : " إنّ الشّيْطانَ يَجْري مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّم " . قوله : { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } . يعني آدم وحواء / والحية / وإبليس . فنزل إبليس أولاً نحو الأبُلَّة في المشرق ، ونزل آدم على جبل من جبال الهند ونزلت حواء بجَدة ، ونزلت الحية بأصبهان . وروي أنه لما خرج آدم إلى شقاء الدنيا أتاه جبريل عليه السلام فعلمه كيف يحرث فحرث ، ثم زرع ، ثم حصد ، ثم درس ، ثم خبز ثم أكل ، فلما عرض له الخلاء جاء وذهب وتردد ، وهو لا يدري ما حدث به ولا ما يصنع ، فقعد وتعصر فخرج منه الحدَث مُنتِنا ، فقال : يا رب ما هذا النتن ؟ فقال : هذه ريح خطيئتك " . قوله : { وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ } . أي قرار إلى حين ، وقيل : / القرار في القبور ، وروي ذلك عن ابن عباس . قوله : { وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ } ، أي إلى الموت . وقيل : إلى قيام الساعة فتخرجون من القبور . وقيل { إِلَىٰ حِينٍ } : إلى أجل قد علمه تعالى . وقال أبو موسى الأشعري : " إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض ، علمه صنعة كل شيء ، وزوَّده من ثمار الجنة ، فثمركم هذه من ثمار الجنة ، غير أن هذه تتغير ، وتلك لا تتغير " . قوله : { فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ } . أي أخذها وقبلها . وقيل : ألهمها فانتفع بها إذا رفعت ، ومَن نصب " آدم " فمعناه أن الكلمات رحمة من ربه أدركتْه قاستنقذته . فالكلمات فيما روي عن ابن عباس [ قول آدم ] : أي رب : ألم تخلقني بيدك ؟ قال : بلى ، ثم قال : أي رب ألم تنفخ فيّ من روحك ؟ قال : بلى . ثم قال : أي رب ألم تسكني جنتك ؟ / قال : بلى ، ثم قال : أي رب . أرأيت إن تبتُ وأصلحت ، أراجعي أنت إلى الجنة ؟ قال : بلى . فذلك تَلَقّيه " . وزاد قتادة أنه قال : " وسبقت رحمتك إلي قبل غضبك ، قيل له : بلى . قال : رب هل كتبت هذا علي قبل أن تخلقني ؟ قيل له : نعم . قال / رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة ؟ قال : نعم " . وقال الحسن : " هو قولهما : { رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا } الآية " . وقال قتادة : " هي قول آدم عليه السلام : يا رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت ؟ قال : إذاً أدخلك الجنة " . وقال عبيد بن عمير : " قال آدم : يا رب خطيئتي التي أخطأتها ، أشيء كتبته علي قبل أن تخلقني ؟ [ أو شيء أنا ابتدعته ] من قبل نفسي ؟ قال : بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك . قال : فكما كتبته علي فاغفرْهُ لي ، فذلك الذي تلقى آدم " . وقال عبد الرحمن بن زيد بن معاوية : " قال آدم : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك فتب علي إنك أنت التواب الرحيم ، فذلك الذي تلقى " . وروي عن مجاهد أنه قال : " هو قول آدم : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين . اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين . اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم " . وروي عنه أنه قال : " هو قول آدم : { رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا } الآية " . وروى عنه ابن جريج أنه قال : " هي قول آدم : رب أتتوب عَلَيَّ إن تبت ؟ قال : نعم . فتاب عليه ربه " . / روي أن آدم رأى كَلِماً في الجنة مكتوب : لا إله إلا الله محمد عبدي ورسولي ، فعلم آدم أن محمداً صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق عليه ، فقال حين أخطأ : اللهم بحق محمد اغفر لي خطيئتي ، فغفر الله له " . وكانت كنيته أبا محمد ، وقيل : أبا البشر . فذلك قوله : { فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ } . قال ابن عباس : / " تاب الله على آدم يوم عاشوراء " .