Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 25, Ayat: 62-67)

Tafsir: al-Hidāya ilā bulūġ an-nihāya

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

قوله تعالى ذكره : { وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً } ، إلى قوله : { وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } . أي : جعل كل واحد من الليل والنهار خلفاً من الآخر ما فات في أحدهما من عمل الله أدرك قضاؤه في الآخر . قاله عمر رضي الله عنه ، وابن عباس والحسن قال مجاهد : معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفاً لصاحبه جعل هذا أسود وهذا أبيض . وعن مجاهد أيضاً : أن المعنى : أنه جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه ، إذا ذهب هذا جاء هذا ، وكذلك قال ابن زيد ، وخلفة : مصدر ولذلك وحد . قال ابن زيد : لو كان الدهر كله ليلاً لم يدر أحد كيف يصوم ، ولو كان نهاراً لم يدر أحد كيف يصلي . وقيل : المعنى : جعل الليل يخلف النهار ، والنهار يخلف الليل ، لمن أراد أن يتذكر نعم الله عليه في ذلك . ويشكره على ما فعل بمعاقبة الليل والنهار ، إذ لو كان الدهر كله ليلاً لبطلت المعائش والتصرف فيها ، ولم يتم زرع ولا ثمر . ولو كان الدهر كله نهاراً لبطلت الأجساد عند عدم الراحة ، ولبطلت الزراع والثمار : لدوام الشمس عليها ، فجعل كل واحد يخلف الآخر لمن أراد أن يتذكر نعمة الله في ذلك على خلقه ، وحسن تدبيره لهم في منامهم . ثم قال تعالى : { وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ } ، عباد رفع بالابتداء ، والخبر محذوف عند الأخفش . وقال الزجاج وغيره : الخبر { أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ } [ الفرقان : 75 ] . وقيل : الخبر { ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ } ، { سَلاَماً } ، منصوب على المصدر ، وإن شئت " تعالوا " . وقوله : { قَالُواْ سَلاَماً } ، منسوخ بالأمر بالقتال : إنما كان هذا قبل أن يؤمروا بالقتال ولم يتكلم سيبويه في شيء من الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية ، وهو من التسلم ، لا من التسليم تقول : " سلاماً منك " أي : تسلماً منك . قال سيبويه في الآية : ولم يؤمر المسلمون يومئذٍ أن يسلموا على المشركين ، ولكنه على قولك لا خير بيننا ولا شر ، وقد ردت على سيبويه هذه العبارة . إنما كان حسبه أن يقول : ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يحاربوا المشركين . ومعنى قول سيبويه على الصحة ، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يُسَلّموا على المشركين ، ولكن أمروا أن يَسْلَموا منهم ويتبرءوا ثم نسخ ذلك بالأمر بالحرب . ومعنى الآية : وعباد الرحمن الذين يرضاهم لنفسه عباداً : هم الذين يمشون على الأرض في سكون ، وتواضع ، وخشوع ، واستكانة . وهذا هو ضد مشي المختال الفخور المرح الذي هو مذموم الحال . ومعنى { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } ، أي : إذا خاطبهم أهل الجهل من العصاة والكفار بالقبيح صانوا أنفسهم عن مساواتهم في القبيح ، قالوا قولاً حسناً يسلمون به من مساواتهم في القبيح . وهم الذين يبيتون لربهم : يصلون ويقولون كذا وكذا ، ما حكى الله عنهم . قال أبو هريرة : هم الذين لا يتجبرون ولا يتكبرون . وقيل معنى : { يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً } ، أي بالسكينة والوقار ، وغير مستكبرين ، ولا متجبرين ، ولا ساعين بفساد . قال ابن عباس : يمشون بالطاعة والعفاف والتواضع . وقال مجاهد : يمشون بالسكينة والوقار والحلم . وقال زيد بن أسلم : التمست تفسير هذه الآية فلم أجدها عند أحد ، فأتيت في النوم فقيل لي : هم الذين لا يريدون يفسدون في الأرض . وقال ابن زيد هم الذين لا يتكبرون في الأرض ، ولا يتجبرون ولا يفسدون ، وهو قوله تعالى : { تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً } [ القصص : 83 ] . وقال الحسن يمشون حلماء ، علماء ، لا يجهلون ، وإن جهل عليهم لم يجهلوا . { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } ، إذا خاطبهم الجاهلون بالله بما / يكرهون من القول أجابوهم بالمعروف والسداد من الخطاب ، فقالوا : تسلماً منكم وبراءة بيننا وبينكم . قال الحسن : إن المؤمنين قوم ذلل ، ذلت والله منهم الأسماع ، والأبصار ، والجوارح ، حتى يحسبهم الجاهل مرضى ، وما بالقوم من مرض وإنهم لأصحاب القلوب ، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم ، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة ، فلما وصلوا إلى بغيتهم قالوا : { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ } [ فاطر : 34 ] والله ما حزنهم حزن الدنيا ، ولا تعاظم في أنفسهم بما طلبوا به الجنة : أبكاهم الخوف من النار ، وإنه من لا يتعزى بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل عمله وحضر عذابه . ثم قال تعالى : { وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً } ، أي يبيتون يصلون . قال فضيل : هم قوم إذا جنّهم الليل قاموا على أطرافهم تسيل دموعهم على خدودهم . ثم قال : { عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ } ، أي : يدعون الله أن يصرف عنهم عذابه حذاراً منه . { إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً } ، أي : دائماً لا ينقطع . قال محمد بن كعب القرطبي : إن الله جلّ ثناؤه سأل الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار . وقال الحسن : قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم . فيكون المعنى على هذين القولين ، إن عذابهما لازم لمن حل به ، لا يفارقه أبداً ، ولم ينصرف جهنم للعجمة والتعريف ، وإن شئت للتأنيث والتعريف . ثم قال تعالى : { إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً } ، أي : ساءت من المستقرات مستقراً . ثم قال تعالى : { وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ } ، أي : لم يزيدوا في النفقة ، ويبذروا ولم يضيقوا . حكى الأصمعي : قَتَر يَقْتُر ويقتر وقَتّر يُقَتّر ، وأقتر يُقتر : إذا ضيق وقد أنكر أبو حاتم على من جعله من أقتر . وقال : إنما يقال : أقتر إذا افتقر . كما قال : { وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ } وقد غاب عنه وجه ما حكى الأصمعي وغيره . ثم قال : { وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } ، أي : وكان الإنفاق قواماً بين الإسراف والإقتار أي : عدلاً . وقد أجاز الفراء : أن يجعل بين { ذَلِكَ } اسمَ كان وهو مفتوح ، وجاز فتحه في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوباً ، فترك على أكثر أحواله في حال الرفع ، ومنه قوله : { وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ } [ الجن : 11 ] ، دون في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوباً فترك على أكثر أحواله . قال ابن عباس : الإسراف : النفقة في معصية الله ، والإقتار منع حقوق الله . وقاله مجاهد وابن جريج . وقال إبراهيم : لا يجيع عياله بالتقتير ولا يغرنهم ، ولا يوسع حتى يقول الناس : قد أسرف . وقال يزيد بن أبي حبيب : كانوا يريدون من الثياب ما يستر عورتهم ، ويكتنّون به من الحر والبرد ، ويريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ، ويقويهم على عبادة ربهم ، لا يلبسون للجمال ، ولا يأكلون للذة . وقال عون بن عبد الله الإسراف أن تأكل مال غيرك بغير حق . وقيل : الإقتار : التقصير عما يجب عليك { وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } ، النفقة بالعدل . وقال مجاهد : لو أنفق رجل ماله كله في حلال ، أو طاعة الله لم يكن مسرفاً ، ولو أنفق درهماً في حرام لكان مسرفاً . قال سفيان الثوري : لم يضعوه في غير حقه ، ولم يقصروا به عن حقه ، وكل نفقة في معصية الله فهي سرف ، وإن قلت ، وكل نفقة في غير معصية الله فليست بسرف ، وإن كثرت .