Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 36, Ayat: 32-40)

Tafsir: al-Hidāya ilā bulūġ an-nihāya

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

قوله ( تعالى ذكره ) : { وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } إلى قوله : { فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } . أي : الكل محضرون يوم القيامة . و " ما " زائدة عند أبي عبيدة ، والتقدير : وإن كل لجميع محضرون . و " إِنْ " مخففة من الثقيلة ، وكل مبتدأ ، ( والجميع ) الخبر . ويجوز / أن يكون جميع بدلاً من ما ، أو نعتاً لها ، والتقدير : وإن كل لخلق أو لبشر جميع ، وحسن كون " ما " لذلك لأن من يعقل وما لا يعقل أن يحضر يوم القيامة من بهيمة وإنسان . ومن شدد فهي بمعنى إلا ، حكى سيبويه : سألتك بالله لّما فعلت ، بمعنى : إلا فعلت . وأنكر الكسائي هذا . وقال الفراء : المعنى لَمِنَ مَا جميع ، ثم أدغم وحذفت إحدى الميمات تخفيفاً كما يقال : ( عَلْمَاءِ بنو فلان ) . فيحذفون ويدغمون ، والأصل : عَلَى المَاءِ . ثم قال ( تعالى ) : { وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا } أي : دلالة لهؤلاء المشركين على قدرة الله وتوحيده : إحياؤنا للأرض الميتة بالمطر ، { وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } . ثم قال : { وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } أي : في الأرض التي أُحْيِيَتْ بالمطر ، { وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ } أي : عيون الماء ليشربوا منها ويسقوا ثمارهم . ثم قال : { لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ } الهاء في ثمره تعود على ماء العيون ، لأن الثمر من الماء اندرج وتَكَوَّنَ ، فأضيف إليه ، أي : فعلنا لهم ذلك ليأكلوا ثمرة النخيل والأعناب . ووحد الثمر في قوله { ثَمَرِهِ } فوحد الضمير ، لأن العرب تأتي بالاثنين وتقتصر على خبر أحدهما . ومن فتح الثاء جعله جمع ثَمَرَةٍ وثَمَرٍ كَخَشَبَةٍ وَخَشَبٍ . ومن ضم جمع ثمرة على ثمار ، ثم جمع ثماراً على ثُمُرٍ كحمار وحُمُرٍ ، ويجوز أن يكون جمع ثمرة أيضاً كخشبة وخشب . وقوله ( تعالى ) : { وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ } أي : ومن ثمر الذي عملته أيديهم ، يعني الذي غرسوا وزرعوا . ويجوز أن تكون " ما " نافية ، أي لم يعمل ذلك الذي أحياه المطر أيديهم . ومن حذف الهاء في " عملته " جعل " ما " والفعل مصدراً ، او نافية ، أو بمعنى الذي لا غير . ومن أثبتها جعلها بمعنى الذي لا غير . { أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } أي : يشكر هؤلاء على هذه النعم . ثم قال ( تعالى ) : { سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا } ( أي ) : تنزيهاً وتبرئة لله جل ذكره مما يضيف إليه هؤلاء المشركون من الشركاء ، وهو الذي خلق الألوان كلها والأجناس كلها من نبات الأرض . { وَمِنْ أَنفُسِهِمْ } ، أي : وخلق من أولادهم ذكوراً وإناثاً . { وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } ، أي : وخلق أجناساً من الأشياء التي لم يطلعهم الله عليها . ثم قال ( تعالى ) : { وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ } ، أي : وعلامة أيضاً لهم على قدرة الله وتوحيده : الليل ينزع منه ضياء النهار . { وَمِنْ } هنا بمعنى ( عن ) ، أي : ينزع عنه ضياء النهار ، ومثله : { فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا } [ الأعراف : 175 ] أي / : عنها وتركها . وقوله : { فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ } أي : صاروا في ظلمة . وقال قتادة : معناه : يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل . وهذا بعيد في التأويل ليس هذا موضعه ولا يدل عليه الكلام . وحقيقة سلخت : أزلت الشيء من الشيء وخلصته منه حتى لم يبق منه شيء . ثم قال : { وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا } أي : لموضع قرارها . قال القتبي : مستقرها أقصى منازلها في الغروب لا تتجاوزه ، يعني إلى أبعد مغاربها ثم ترجع . وروى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَا أَبَا ذَرّ أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ الشَّمْسُ ؟ فقلت : الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، فَقَالَ ، إِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهَا جَلَّ ثَنَاؤُهْ , ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ بِالرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَهَا ، وَكَأَنَّها قَدْ قِيْلَ لَهَا : ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ ، فَتَطْلَعُ مِنْ مَكَانِهَا وَذَلِكَ مُسْتَقَرُّها " . وروى أبو ذر أيضاً قال : " سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَوْلِ الله تَعَالَى : { وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا } فقال : مستقرها تحت العرش " . قال قتادة : لمستقرها وقت واحد لا تعدوه . وقيل : المعنى : ( إنها ) تجري إلى أبعد منازلها في الغروب ثم ترجع فلا تتجاوزه ، وذلك أنها لا تزال تتقدم كل ليلة حتى تنتهي إلى أبعد مطالعها ثم ترجع . وعن أبي ذر قال : " قُلْتُ ( يا ) رَسُولَ الله { وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ / لَّهَـا } قَالَ : بَيْنَ يَدَيْ العَرْشِ " . وروي عن ابن عباس أنه قرأ : " لا مُسْتَقَرٌّ لَهَا " ، على معنى : هي جارية لا تثبت في موضع واحد : أي هي كل ليلة في موضع لا تكون فيه في الليلة التي تليها تتقدم أو تتأخر . ثم قال : { ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } أي : هذا الذي تجري عليه الشمس من التقدير ، هو تقدير العزيز في انتقامه العليم بمصالح خلقه . ثم قال ( تعالى ) : { وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ } [ أي : وآية لهم القمر قدرناه منازل . وقيل : التقدير : قدرنا له منازل ، ثم حذفت اللام واتصل الضمير ، كمنزلة : { كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ } [ المطففين : 3 ] ، والمعنى : قدرناه منازل في النقص والزيادة والتمام ، فهو منذ يطلع كل ليلة في منزلة - ومنازله ثمانية وعشرون منزلة ( معروفة ) - ثم يستتر ليلتين فلا يُرى . { حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ } أي : في النقص كالعذق اليابس من القدم لأن العذق كلما قدم يبس وتقوس وانحنى ، ولا يوجد مستوياً أبداً لا أخضر ولا يابس ، فكذلك القمر في آخر الشهر ينقص ويتقوس وينحني . هذا قول ابن عباس وقتادة والحسن وغيرهم . والعِذق بكسر العين هو الكِبَاسَة والقنو . وأهل مصر يسمونه الإسْبَاطَة . والعَذَقُ بفتح العين هو النخلة . ثم قال ( تعالى ) : { لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ } أي : لا ينبغي ولا يمكن للشمس أن تدرك القمر فيذهب ضوؤه بضوئها ( فتكون الأوقات كلها نهاراً . { وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } أي : ليس يفوته بظلمته ) . فتكون الأوقات كلها مظلمة ليلاً . وفي هذا - لو كان - إبطال التدبير الذي بنيت عليه الدنيا ، ألا ترى أن الدنيا إذا ذهبت ، وزال تدبير الشمس والقمر جمع بينهما . قال الله جل ذكره في حال يوم القيامة : { وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ } [ القيامة : 9 ] ، ففي جمعهما زوال تدبير الدنيا بنهار بعد ليل وليل بعد نهار ، فليس في الآخرة ليل يدخل على النهار ، ولا شمس ولا قمر ، وذلك تدبير آخر ، تبارك الله أحسن الخالقين . قال الضحاك : معناه : إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء ، وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء . وهو معنى قول ابن عباس . قال قتادة : لِكُلِّ ( حد ) وعلم لا يعدوه ولا يقصر دونه ، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا . وعن ابن عباس في الآية : إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر ، وإذا غابا غاب أحدهما بين يدي الآخر . وقيل : المعنى : إن القمر في السماء الدنيا والشمس في السماء الرابعة فلا يدرك أحدهما الآخر . وقيل : المعنى : إن سير القمر سير سريع ، والشمس سيرها بطيء فهي لا تدركه . وَسُئِلَ ابن عمر ، فقيل له : ما بال الشمس تصلانا أحياناً ، وتبرد أحياناً ؟ فقال : أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن ، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة ، قيل له : ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء ، قال : لو كانت كذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته . وقوله : { وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } . استدل به بعض العلماء على أن النهار مخلوق قبل الليل ، وأن الليل لم يسبقه بالخلق . وقيل : المعنى : إن كل واحد / منهما يجيء في وقته ولا يسبق صاحبه . ثم قال : { وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } ( أي ) : وكل ما ذكرنا من الشمس والقمر والليل والنهار في فلك يجرون . قال ابن عباس : في فَلَكٍ كَفَلَكِ المغزل . وجاء يسبحون بالواو لأنه لما أخبر عنهن بلفظ من يعقل أجرى ضميرهم مجرى ضمير من يعقل ولم يقل يسبحن ، ولو قيل لَحَسُنَ ، ولكن جاء على هذا المعنى .