Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 38, Ayat: 21-26)
Tafsir: Taysīr al-karīm ar-raḥmān fī tafsīr kalām al-mannān
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
لما ذكر تعالى أنه آتى نبيه داود الفصل في الخطاب بين الناس ، وكان معروفاً بذلك مقصوداً ، ذكر تعالى نبأ خصمين اختصما عنده في قضية جعلهما اللّه فتنة لداود ، وموعظة لخلل ارتكبه ، فتاب اللّه عليه وغفر له ، وقيض له هذه القضية ، فقال لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم : { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ } فإنه نبأ عجيب { إِذْ تَسَوَّرُواْ } على داود { ٱلْمِحْرَابَ } أي : محل عبادته من غير إذن ولا استئذان ، ولم يدخلوا عليه مع باب ، فلذلك لما دخلوا عليه بهذه الصورة ، فزع منهم وخاف ، فقالوا له : نحن { خَصْمَانِ } فلا تخف { بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ } بالظلم { فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ } أي : بالعدل ، ولا تمل مع أحدنا { وَلاَ تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ } . والمقصود من هذا ، أن الخصمين قد عرف أن قصدهما الحق الواضح الصرف ، وإذا كان ذلك ، فسيقصان عليه نبأهما بالحق ، فلم يشمئز نبي اللّه داود من وعظهما له ، ولم يؤنبهما . فقال أحدهما : { إِنَّ هَذَآ أَخِي } نص على الأخوة في الدين أو النسب أو الصداقة ، لاقتضائها عدم البغي ، وأن بغيه الصادر منه أعظم من غيره . { لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً } أي : زوجة ، وذلك خير كثير ، يوجب عليه القناعة بما آتاه اللّه . { وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ } فطمع فيها { فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا } أي : دعها لي ، وخلها في كفالتي . { وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ } أي : غلبني في القول ، فلم يزل بي حتى أدركها أو كاد . فقال داود - لما سمع كلامه - ومن المعلوم من السياق السابق من كلامهما ، أن هذا هو الواقع ، فلهذا لم يحتج أن يتكلم الآخر ، فلا وجه للاعتراض بقول القائل : " لم حكم داود قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر ؟ " { لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ } وهذه عادة الخلطاء والقرناء الكثير منهم ، فقال : { وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } لأن الظلم من صفة النفوس . { إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } فإن ما معهم من الإيمان والعمل الصالح ، يمنعهم من الظلم . { وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } كما قال تعالى { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ } [ سبأ : 13 ] { وَظَنَّ دَاوُودُ } حين حكم بينهما { أَنَّمَا فَتَنَّاهُ } أي : اختبرناه ، ودبرنا عليه هذه القضية ليتنبه { فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ } لما صدر منه ، { وَخَرَّ رَاكِعاً } أي : ساجداً { وَأَنَابَ } للّه تعالى بالتوبة النصوح والعبادة . { فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ } الذي صدر منه ، وأكرمه اللّه بأنواع الكرامات ، فقال : { وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ } أي : منزلة عالية ، وقربة منا ، { وَحُسْنَ مَـآبٍ } أي : مرجع . وهذا الذنب الذي صدر من داود عليه السلام ، لم يذكره اللّه لعدم الحاجة إلى ذكره ، فالتعرض له من باب التكلف ، وإنما الفائدة ما قصه اللّه علينا من لطفه به وتوبته وإنابته ، وأنه ارتفع محله ، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها . { يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ } تنفذ فيها القضايا الدينية والدنيوية ، { فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ } أي : العدل ، وهذا لا يتمكن منه ، إلاّ بعلم بالواجب ، وعلم بالواقع ، وقدرة على تنفيذ الحق ، { وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ } فتميل مع أحد ، لقرابة أو صداقة أو محبة ، أو بغض للآخر { فَيُضِلَّكَ } الهوى { عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } ويخرجك عن الصراط المستقيم ، { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } خصوصاً المتعمدين منهم ، { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ } فلو ذكروه ووقع خوفه في قلوبهم ، لم يميلوا مع الهوى الفاتن .